بقلم: محمد ﯕيـالي
لقد هل علينا الصيف، ولو أن "الصيف" بمعنى "الصافا" دون المستوى هذه السنة، إلا أن الحفلات على الأبواب، ونحن دائما نحتفل كيفما كان الحال ومهما أتت النتائج، فـ"ولد الفار ما يكون غير حفار" كما يقال.. وبوزبال يأتي كل المخدرات لينسى همومه التي لا تنتهي، ومن مخدراته الرقص.. سوف يتزوج العديد من العرسان، وهم على علم مسبق بالحروب الطاحنة التي تنتظرهم مباشرة بعد ليلة العرس، وربما قبلها.. فالعديد منهم سوف يرقص لشروط العروس، التي تُكثر من الإملاءات، ربما لعلمها أن لذة زواجها لن تتجاوز أيام العرس.. يرقص بعد ذلك لشركات قروض الاستهلاك التي تهلك الحرث والنسل.. فيقترض مالا وفيرا من أجل إسكات "العديان"، وإسماع الجيران ما لذ وطاب من الأهازيج والأغاني، وحرمان أطراف مهمة من المدينة من النوم.. إنها ليلة الرقص والغناء.. فحرام على قرية تزوج ابنها أن تنام وهو راقص – بكل معاني الكلام - ثم يرقص خوفا ألا يكون "راجل" ليلة الرجولة العظمى.. لأن الرجولة عندنا ليست مواقف ولا أفكارا ولا شهامة.. إنما الرجولة أشياء أخرى...
عندنا يُعتبر الرقص من المقدسات، أتذكر تلك الحكاية التي ألفها الفنان الرائع الملقب بـ "الشاوش بوعزة"، عندما قال إن ساكن إحدى العمارات قد اشتد غيظه من مجموعة فنية كانت تقطن فوق، وكان أعضاؤها يتمرنون على "الغيطة" و"الطبل" ويحرمونه من النوم والراحة، مما دفعه إلى استنكار الأمر عليهم، تطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي، فما كان جزاؤه إلا أن سُجن بتهمة "الاعتداء على الفنانين".. وهذا الصباح فقط سمعت قصة حقيقية هذه المرة، مفادها أن رجلا موقرا له زوجة وعائلة في الحي المجاور، يقطن تحته "شرطي" أعزب، وفوقه عزاب آخرون، والجميع يشنف آذانهم بما لذ وطاب من الكلام تحت الحزام، ويزكمون أنوفهم بروائح النبيذ الذي يتفنن المغاربة في صنعه واستهلاكه؛ والمسكين لا حول له ولا قوة، فرغم البحث المتواصل لم يجد بيتا آخر للكراء.. قلتُ فلم لا يلجأ إلى السلطة؟ قالت مخاطبتي مستنكرة: "أتريد أن تيتم أبناءه؟ أتريدهم أن يفبركوا له تهمة بالإرهاب؟؟ راه القضية فيها بوليسي!! في المغرب، شوف وسكت!" هكذا إذن؟!.. شوف وسكت، دع الكلاب ترقص على جثت الرجال!!!! إنها الحقيقة؛ فالمواطن الصالح يخاف من رجال الأمن، ورجال الأمن يهابون المواطن الطالح.. هل هناك غابة أكثر رعبا مما نحن فيه؟ وهل هناك وحوش أشرس منا نحن المغاربة؟؟.. هذا بالضبط ما يتضح. فقبل أيام فقط، رقص آلاف المغاربة في منصات الرباط، وتوالت الأخبار التي أفادت أن والي الأمن قد رقص أيضا بين أيدي شابين فوق القانون، وبعد صمت دهر، أتانا خبر راقص ينفي "الشائعة" جملة وتفصيلا.. إلا أن رواد المواقع الإخبارية قد أصدروا كتاب "تهافت التهافت" عندما كذّبوا تكذيب مديرية الأمن... فالكل يرقص على هواه إذن... بعدها مباشرة لملم البعض شملهم وخرجوا راقصين ينددون بالفساد الذي لم تعد له أية هوية، فالكل مفسد يطالب بمحاربة الفساد.. إنه الرقص وإلا فلا..
ومنذ سنة ونيف، رقص الناس طربا لأن الربيع المغربي قد انطلق، فصوتنا على الدستور، وعلى الحكومة. ورقص الناس يبنون قبور الدنيا كما يسمونها، وانتشرت البنايات "الرشوائية" مثل "شيخات" غير متدربة... ثم انقلب "الربيع" "فاصّا" عندما سُجن أشهر صحافي في الوطن، فلم تشفع له "رقصات" المحتجين ولا الهيئات الحقوقية ولا هم يحزنون.. ورقص فنانون "كبار" على جسد الصحافة الحرة المنهك.. وبعد حين أرقصت القوات العمومية أصحاب البنايات الجديدة عندما بدأت تهدم ما ساهم في امتصاص بعض غضب الغاضبين..
في السياسة والاقتصاد والرياضة كما في الفن، الرقص دائم الحضور.. فقد حاولت الحكومة فضح أباطرة اقتصاد الريع، وبدأت بمستفيدين صغار، ثم انكمشت و"دخلت سوق جواها"، لأن اللعب مع الكبار غير محمود العواقب.. بعدها جاء وزير الاتصال ليوقف الرقص الذي لا ينتهي في التلفزيون العمومي، ولم ينتبه إلا وإحدى الشيخات ذوات البنية القوية تنطحه بمؤخرتها وترسله خارج الخشبة، فانكمش هو الآخر..
المدرب المذلل أيضا رقص بلا هوادة في الكأس الأفريقية، فرقص العازفون على سمفونية الوطنية ما شاء الله أن يرقصوا، مرددين أغاني شعبية كثيرة منها "فلوس اللبن يديهم زعطوط"، ثم اختاروا الانزواء عندما كلّوا من الرقص وعلموا أن عظام الأمور تخص كبار القوم الذين لا يهمهم من الشعب إلا أصوات الانتخابات ومداخيل الضرائب فقط.. ولقد رقص التطوانيون ما شيء لهم أن يرقصوا في الملاعب طيلة دورات البطولة، فما كان جزاؤهم عن الفوز بالسَّنة الرياضية إلا ما يأخذه "مول الصول" في شهر واحد...
ولعل آخر حلقة من هذا الرقص الذي لا ينتهي هي رفض الحكومة فرض الضريبة على الأثرياء، وفرضها على الفقراء بصيغة الزيادة في المحروقات.. هنا لن يتدخل أحد لإيقاف القرار كما وقع مع دفتر التحملات ولوائح الريع.. لأن المتضرر هنا بوزبال فقط..
خلاصة القول: "اللي ما شطح ما غنى، بحالو بحال الـﯕـلّة"، كما قالت الشيخة... اللهم لا تواخذنا بما رقص السفهاء منا..